السيد محمد تقي المدرسي

208

من هدى القرآن

يعطينا الثقة والاطمئنان بها ، والاعتماد عليها بضرس قاطع . وفي الآية تأكيدان لهذه الحقيقة : « إِنَّ » واللام في « إلَقَوْلُ » ، وبالإضافة إلى هذين التأكيدين اللفظيين هناك ثلاثة تأكيدات معنوية على أن الرسالة هي من عند الله : ألف : كلمة « لَقَوْلُ » ، فالرسول دوره لا يتعدى نقل الرسالة إلى الناس ، فهو يقولها وليس يؤلفها أو يخلقها . باء : أنه تعالى لم يقل فلانا ( جبرائيل أو محمد ) بل لم يقل نبي ولا ملك . . إنما اختار كلمة « رَسُولٍ » لأنها أدل على المعنى المراد من سواها . . فالرسول هو الذي يحمل الرسالة من عند غيره . جيم : وإذ امتدح الله رسوله بأنه « كَرِيمٍ » دل ذلك على أمانته ووصول الرسالة كما أراد المرسِل ، وإذا كان نكران الذات من أبرز صفات الكريم فإننا نفهم من وصف الله لرسوله بذلك أنه تنازل عن ذاته في قضية الرسالة لله ، وبالتالي ليس فيها شيء من عند نفسه . ولقد اختلفت الأقوال في المقصود بالرسول ، فقال فريق : إنه جبرائيل الذي يتنزل بالوحي من عند الله إلى النبي صلى الله عليه وآله فهو رسول الله إلى نبيه ، وقال آخرون : إنه النبي محمد صلى الله عليه وآله ، وما أذهب إليه أن الكلمة منصرفة إلى الاثنين ، لأنهما رسولان من عند الله وفيهما الصفات الرسالية ذاتها ، ولأن المقصود هنا إثبات أن القرآن من عند الله وليس من عند أحد كالنبي أو جبرائيل ، مما يستوجب التأكيد على الصفات المذكورة في الاثنين . « وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ » لأنه لا يشبه أقوال الشعراء لا في أوزانه وقوافيه ولا في بلاغته ، إذ المسافة بين بلاغته وأدبه الرفيع وبين بلاغة الشعراء وأدبهم مسافة لا يعلمها إلا الله ، فهي كما وصفها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بقوله : فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ الله عَلَى خَلْقِهِ ] « 1 » ، ولا في معانيه لأن الشاعر قد يهمه ظاهر الكلام فقط فيتخبط في المعنى ، ولو كان الرسول كالشعراء لكان يضخم الأمور حتى إذا نقل رسالة الله ، فتلك طبيعة الشعراء . وأعظم مفارقة بين رسالة الله والشعر أنها تنطوي على الحق وتهدي إليه ، في حين ينطوي أغلب الشعر على الباطل ، وأنها تعبر عن الحقائق الواقعية ، في حين يطلق الشعراء لعواطفهم وظنونهم العنان دون حساب ، فهم يعتمدون على المشاعر والأحاسيس في حين تعتمد رسالة الله على علمه الواسع ، من هنا نستطيع القول : إن كلمة الشاعر لا تنحصر في الذي ينظم الأبيات

--> ( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 2 ، ص 237 . بحار الأنوار : ج 89 ، ص 17 : ولا يعني ذلك أن القرآن في منزلة الخالق لأنه مخلوق له عز وجل وإنما يعني أن كل فضل في الكلام من قبل القرآن فهو كفضل من الله لأنه كلامه تعالى .